الاثنين، 29 يوليو 2019

ثامنا:تعريف المسيحية اليهودية:الفصل الخامس: المسيحية السياسية والمسيحية الدينية:


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الفصل الخامس: المسيحية السياسية والمسيحية الدينية:
ثامنا:تعريف المسيحية اليهودية.
المسيحية الصهيونية هي المسيحية التي تدعم الأفكار والمعتقدات الصهيونية، و يطلق على منْ ينتمون إلى هذه الحركة اسم مسيحيين متصهينين.
تتلخص فكرة المسيحية الصهيونية في ضرورة المساعدة لتحقيق نبوءة الله الواردة في التوراة من خلال تقديم الدعم لإسرائيل.
حيث تريد المسيحية الصهيونية بعد دعمها لقيام دولة إسرائيل، تحقيق سيطرة اليهود الكاملة على مدينة القدس، ثم إعادة بناء هيكل سليمان المزعوم في الموقع الذي يقوم عليه المسجد الأقصى اليوم، وفي نظرهم لا يتم ذلك إلا عن طريق تحقيق هيمنة إسرائيلية كاملة على كل الأراضي الفلسطينية، على اعتبار أن فلسطين هي الأرض الموعودة، وذلك فوق الوعد المكذوب الذي يزعم اليهود أن الحق – تبارك وتعالى – قد قطعه على نفسه لنبي الله ابراهيم – عليه السلام -  
فقد جاء في الاصحاح الخامس عشر من سفر التكوين والعدد :18 في قطع الرب مع أبرام ميثاقا قائلا: لنسلك أعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات.
وتعتقد المسيحية الصهيونية أن من شأن القيام بذلك تعميم البركة الإلهية على العالم كله وبخاصة العالم المسيحي.
فالمسيحية اليهودية تقوم على تفضيل الطقوس العبرية في العبادة على الطقوس الكاثوليكية بالإضافة إلى دراسة اللغة العبرية على أساس أنها كلام الله.
أما الصهيونية فهي حركة سياسي ذات فكر عقائدي تؤيد قيام دولة قومية يهودية في فلسطين بوصفها أرض الميعاد لليهود. وصهيون هو اسم جبل في القدس وتقول بعض المصادر إنه اسم من أسماء القدس.
فالمسيحية الصهيونية تُمثل الدعم المسيحي للفكرة الصهيونية، وهي حركة مسيحية قومية تقول عن نفسها: إنها تعمل من أجل عودة الشعب اليهودي إلى فلسطين وسيادة اليهود على الأرض المقدسة، ويعتبر المسيحيون الصهيونيون أنفسهم مدافعين عن الشعب اليهودي خاصة دولة إسرائيل،ويتضمن هذا الدعم معارضة وفضح كل منْ ينتقد أو يعادي الدولة العبرية.
فعندما تحدث الرئيس جيمي كارتر عام 1977م بأن الفلسطينيين لهم الحق في وطنهم، تصدى له قادة ونشطاء المسيحيون الصهيونيون ، بالإضافة إلى اللوبي الصهيوني للرد عليه بإعلانات تصدرت الصحف الأميركية تقول إن "الوقت قد حان لأن يؤكد المسيحيون البروتستانت إيمانهم بالنبوءة التوراتية والحق الإلهي لإسرائيل في الأرض... نحن ننظر ببالغ الاهتمام لأي محاولة لتجزئة الوطن القومي لليهود من قبل أي دولة أو حزب سياسي ,وبعد هذه الحملة أصبح كارتر أكثر تحفظا في آرائه العامة عن الفلسطينيين خلال فترة رئاسته.
وأثناء عملية الدرع الواقي العسكرية الإسرائيلية عام 2002 التي انتهت بعودة القوات الإسرائيلية إلى المدن الفلسطينية في الضفة الغربية مثل بيت لحم ورام الله وجنين، اضطر جورج بوش تحت الضغط الدولي لأن يبعث برسالة لرئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون قال له فيها "اسحب قواتك فورا".
وردا على ذلك حشد قادة الحركة المسيحية الصهيونية أبواقهم الإعلامية لتعبئة أنصارهم بإرسال آلاف الاتصالات الهاتفية والرسائل الإلكترونية والخطابات إلى الرئيس تحثه على عدم الضغط على إسرائيل لوقف عمليتها، ومن يومها لم ينبس بوش ببنت شفه في أي تعليق مشابه يعارض العمليات العسكرية الإسرائيلية بل أصبح يدافع عنها ويفر لها كل المبررات.
تقوم فلسفة الصهيونية المسيحية على نظرية الهلاك الحتمي لليهود، وهناك الكثير من الدراسات اللاهوتية في هذا المجال خلاصتها أن هلاك  يهود الأرض قدر محتوم وضرورة للخلاص من "إرث الدم" الذي حمله اليهود على أكتافهم بعدما صلبوا المسيح وهم سيتحولون إلى المسيحية بعد عودته ولن يبقى شيء اسمه اليهودية.
تاريخيا نشأت الصيهونية المسيحية خلال هجرة الاوروبين إلى العالم الجديد حيث حمل غالبية المهاجرين الأوروبيين إلى الأراضي الأمريكية العقيدة البروتستانتية الأصولية التي كانوا يحاولون تطبيقها في مجتمعاتهم ولم ينجحوا،ومنذ بداية تأسيس الدولة الأمريكية في القرن الـ17 لعبت الرؤى الأصولية المسيحية البروتستانتية دورا كبيرا في تشكيل هوية الدولة.

وقد تأثرت العقيدة البروتستانتية كثيرا باليهودية، ونتج عن هذا التأثر تعايش يشبه التحالف المقدس بين البروتستانتية واليهودية بصورة عامة، وخلقت علاقة أكثر خصوصية بين الصهيونية اليهودية والبروتستانتية الأصولية.
وقد نشأت المسيحية الصهيونية في إنجلترا في القرن الـ17، حيث تم ربطها بالسياسة لا سيما بتصور قيام دولة يهودية حسب زعمها لنبوءة الكتاب المقدس، ومع بدء الهجرات الواسعة إلى الولايات المتحدة أخذت الحركة أبعادا سياسية واضحة وثابتة، كما أخذت بعدا دوليا يتمثل في تقديم الدعم الكامل للشعب اليهودي في فلسطين.
وتتصل جذور هذه الحركة بتيار ديني يعود إلى القرن الأول للمسيحية ويسمى بتيار الألفية، والألفية هي معتقد ديني نشأ في أوساط المسيحيين من أصل يهودي، وهو يعود إلى استمرارهم في الاعتقاد بأن المسيح سيعود إلى هذا العالم محاطا بالقديسين ليملك في الأرض ألف سنة ولذلك سموا بالألفية.


الثلاثاء، 23 يوليو 2019

سابعا:بداية التحول في العلاقة اليهودية المسيحية:الفصل الخامس: المسيحية السياسية والمسيحية الدينية:


بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الفصل الخامس: المسيحية السياسية والمسيحية الدينية:
سابعا:بداية التحول في العلاقة اليهودية المسيحية:
مر قطار العلاقة ما بين اليهود والمسيحية بالعديد من المحطات توشحت جميعها بالسواد وروح العداء فالبداية كانت مع اضطهاد اليهود للمسيحيين منذ أيام يسوع، ودورهم في صلبه على حسب عقيدة الفريقين، ثم قام ذو نواس اليهودي بقتل مئات الألوف من المسيحيين في اليمن ولقد خلد القرآن الكريم تلك القصة في سورة البروج قال تعالى:
{ قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ } (1)
وبداية من القرن الرابع تغيرت الأدوار حيث أخذت المسيحية باضطهاد اليهودية، فطرد اليهود أولاً من الإسكندرية وعاشوا خلال الإمبراطورية البيزنطية خارج المدن الكبرى.
في القرون الوسطى، وفي تاريخ أوروبا كله، كان النصارى يضطهدون اليهود أشد الاضطهاد؛وكان الباباوات يصدرون أوامرهم ضد اليهود في كل مكان، ومن العجائب التي هي أشبه بالنكتة أنه اجتاح أوروبا في القرن السابع عشر طاعون عظيم جداً فتك بأكثر الأوروبيين في جميع الدول، وقتل كثيراً منهم، وهم يسمونه: الوباء الأسود، وهو معروف في التاريخ الأوروبي، فأعلن البابا من الكنيسة في روما قائلاً: إن سبب هذا الوباء هم اليهود الذين قتلوا المسيح، والذين يأكلون الربا ويزنون.
ولو أخذت أي قاموس من قواميس اللغات الأوروبية، وبحثت عن كلمة (يهودي)، فإنك ستجد أن معناها: البخيل.. الجشع.. الديوث.. الكافر.. الملحد، وأكبر سبة تطلق على الإنسان الأوروبي والنصراني أن يقال له: يا يهودي، وهذه حقائق معروفة.(2)
وبدءًا من القرن الحادي عشر فًرض على اليهود العمل بمهن معينة؛ ثم صدر عام 1492 مرسوم بطردهم من إسبانيا في حال عدم اعتناقهم المسيحية، ثم طردوا من فيينا سنة 1441 وبافاريا 1442 وبروجيا 1485 وميلانو 1489 ومن توسكانا 1494، وأخذوا يتجهون نحو بولندا وروسيا والإمبراطورية العثمانية.
ثم طرأ متغير جديد على تلك العلاقة بين اليهود والمسيحية فتحولت من العداوة إلى التحسن ثم إلى الصداقة بل والتعاون، وبدأ ذلك التغير بين اليهود والطوائف البروتستانتية في القرن التاسع عشر ومن ثم القرن العشرين وتوّجت هذة الصداقة بنشوء الصهيونية المسيحية في الولايات المتحدة الأمريكية ودعمهما لقيام إسرائيل لأسباب دينية.
أما الكنيسة الكاثوليكية فلم تتحسن علاقاتها باليهود حتى عهد البابا بولس السادس الذي برئ اليهود من تهمة لاحقتهم طويلاً وهي قتل يسوع صلبًا، وقد جاءت التبرئة استنادًا إلى إنجيل لوقا 48/23.
المجمع الفاتيكاني الثاني.
ثم جاء المجمع الفاتيكاني الثاني ليؤكد ما ذهب إليه البابا وطالب بعلاقات طبيعية مع اليهود: على اعتبار إن كانت سلطات اليهود وأتباعها هي التي حرضت على قتل المسيح، فلا يمكن مع ذلك أن يُعزى ما أًقترف أثناء آلامه إلى كل اليهود اللذين كانوا يعيشون آنذاك دونما تمييز ولا إلى يهود اليوم.
إن المسيح بمحبته الفائقة قدّم ذاته طوعًا للآلام والموت بسبب خطايا جميع الناس لكي يحصلوا جميعًا على الخلاص، وهذا ما تمسكت به الكنيسة ولا تزال.
البابا مع جورج بوش الابن ولورا بوش من المقر الصيفي للبابا في كاستيل غاندولفو، 23 يوليو 2001.
وفي القرن العشرين، وجهت الكنيسة اعتذارًا عن مآسي اليهود التي حصلت بسببها أو "بسبب تقصيرها في حمايتهم"، ثم تكاثرت التصريحات، على سبيل المثال تصريح يوحنا بولس الثاني عام 1986، الذي يعتبر جزءًا من التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية: "بالنسبة إلينا، ليست الديانة اليهودية ديانة خارجية، بل إنها تنتمي إلى قلب ديانتنا، وعلاقتنا بالديانة اليهودية مختلفة عن علاقتنا بأي دين آخر. أنتم إخوتنا الأحباء ونستطيع القول ما معناه، أنتم إخوتنا الكبار" (3)
وفي عام 1993 تمّ تبادل التمثيل الديبلوماسي بين الفاتيكان وإسرائيل، ثم تلا ذلك زيارة البابا يوحنا بولس الثاني إلى القدس سنة 2000.

عوفير جندلمان، المتحدث باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي، عن نتنياهو قوله: أود أن أشكر قداسة البابا فرنسيس على تلبيته لطلبي بزيارة النصب التذكاري لإحياء ذكرى ضحايا الإرهاب، لقد شرحت للبابا أن إقامة الجدار الأمني أدت إلى تفادي سقوط ضحايا كثيرة أخرى خطط  لها الإرهاب الفلسطيني الذي يستمر أيضا الآن لاستهدافها.


ورغم هذا التحسن فلا تزال بعض الخلافات قائمة في العلاقات بين الكنيسة الكاثوليكية وإسرائيل حول ملكية بعض المقدسات المسيحية، وبعض النصوص الطقسية التي تقرأ عادة في أسبوع الآلام تصف اليهود بأوصاف مشبوهة.
أما الكنيسة الأرثوذكسية، فبينما تقف الكنيسة الأرثوذكسية في الشرق بشدة ضد أي تحسن في العلاقات مع اليهود، أخذت مواقف هذه الكنيسة في الغرب موقفا مغايرا بالانفتاح على اليهود.
يقول الشيخ الدكتور سفر الحوالي - حفظه الله -: ومنذ أن أحكمت اليهودية العالمية أنشوصتها على العالم الغربي الذي أوقعته أسيراً في شباكها الأخطبوطية اتخذت العداوة مساراً واحداً تحفزه الروح الصليبية، وتوجهه الأفعى اليهودية؛ فقد  تشابكت، وتداخلت مصالح الطرفين،وكان الغرب الصليبي مستعدًّا  للتخلي عن كل حقد وعداوة إلا عداوته للإسلام في حين كانت الخطط التلمودية تروم تسخير العالم الصليبي بعد أن شلَّت قواه، وركبت رأسه للقضاء على عدوها الأكبر الإسلام  (4)
ويقول الشيخ - حفظه الله -: وتجدر الإشارة إلى أن خطة العمل الموحد المشترك بين الصليبية واليهودية أصبحت لزاماً وواجباً على كلا الطرفين بعد الموقف الصلب الذي واجه به السلطان عبد الحميد هرتزل؛ إذ تعين بعدها أن القضاء على الخلافة الإسلامية ضروري لمصلحة الفريقين: النصارى الذين كانت لهم دولهم الاستعمارية تتحين الفرصة للأخذ بثأر الحروب الصليبية، واليهود الذين أيقنوا أن فشلهم مع السلطان يستوجب التركيز على العالم الصليبي، وتسخيره لمآربهم التلمودية،وبلغت الخطة ذروة التوحد بعد قرار المجمع الماسوني الذي ينص على تبرئة اليهود من دم المسيح عليه السلام، والذي كان يهدف إلى محو كل أثر عدائي مسيحي لليهود، وبالتالي إيجاد كتلة يهودية نصرانية واحدة لمجابهة الإسلام.  (6)
وهكذا نجد أن اليهود والنصارى متعادون متناحرون لا يجمعهم سوى مصالحهم، وأعظم مصلحة يجتمعون عليها هي عداء الإسلام والمسلمين.
وما وعد بلفور المشؤوم وما نراه اليوم من تحالف بين أمريكا وإسرائيل, إلا نموذج لذلك التحالف.
وقد تبنَّى بعض النصارى في أمريكا وأوربا فكرة وجود إسرائيل الحديثة على أنها تحقيق لنبوآت الكتاب المقدس، وعلامةٌ على قرب عودة المسيح إلى الأرض ثانية؛ حيث إنهم يعتقدون أن المسيح سينزل في آخر الزمان، وهم متفقون مع المسلمين في هذه القضية إلا أن اليهود - بخبثهم ومكرهم وبغباء النصارى- حوَّلوا هذه القضية لصالحهم؛ فاليهود يعتقدون بمجيء مسيح مُنْتَظر؛ لأنهم يعتقدون أن عيسى عليه السلام كذَّاب دجال،
أما المنتظر الذي ينتظرونه فهو - ملك السلام - كما يزعمون، وفي الحقيقة هو المسيح الدجال.
ومن هنا غرَّروا بالنصارى، وقالوا: لابد أن نعمل بما اتفقنا عليه، وهو أن المسيح سينزل, أما منْ هو المسيح الذي سينزل فسنتركه جانباً؛ فاليهود يعتقدون بأن النصارى سينتهون إذا جاء منتظرهم، والنصارى بعكسهم، حيث يعتقدون بأن المسيح إذا نزل سيقتل كل منْ لم يدخل في المسيحية.
ومن المؤتمرات التي عقدت بهذا الصدد المؤتمر المسيحي الصهيوني الدولي الذي عقد في إبريل عام (1988) م, في إسرائيل، وألقى فيه إسحاق شامير رئيس الوزراء بنفسه كلمة الافتتاح.
وفي كلمته التي اتسمت بالعاطفة والحماسة أكد شامير - وبكل وضوح - استمراره في تثبيت أركان الدولة الصهيونية، ومقاومة الفلسطينيين بكل الوسائل،وفي نهاية كلمته وقف كل المستمعين لتحيته، وذلك حينما دعاهم لأن يدعوا كل مسيحيي العالم لتعضيد دولة إسرائيل.  (6)
.وفي هذا المؤتمر قال أحد القساوسة المشاركين فيه، وهو (فان درهوفيه) قال: إن الكنيسة التي لا تتبع هذا الطريق - تأييد إسرائيل - سوف تنتهي مثل الدخان.(7).
ولعلنا نجد من ثمار ذلك ما تقوم به الدول الغربية من حماية لمصالح اليهود، والحرص على هجرتهم، وتشجيعها، وتسهيل ذلك، أو محاولة تخفيف عداء المسلمين لليهود.
وبالرغم من هذا التحالف إلا أننا نجد بين الفينة والأخرى منْ يعارضه من النصارى، ويعده أضحوكة يهودية؛ لكي يستغلوا النصارى في تنفيذ مخططاتهم التلمودية.
ومن هؤلاء الكتاب الذين كتبوا عن هذا الموضوع قس مصري اسمه إكرام لمعي، وينتمي للكنيسة الإنجيلية، وله كتاب اسمه (الاختراق الصهيوني للمسيحية) حيث بيَّن فيه مدى الاستغلال الصهيوني اليهودي للدين المسيحي؛ لتحقيق الأطماع والأحلام.(8) 
وفي النهاية علينا أن ندرك أن حركة الإصلاح الديني البروتستانتية في أوربا أنشأت اتجاها جديداً ، ينظر إلى اليهود نظرة ودية، تطورت حتى وصلت ذروتها في مطلع هذا القرن ، وتمخضت عن تحالف قوي صليبي يهودي هدفه توحيد الجبهة ضد الإسلام.
أبرز مقومات هذا التحالف أنه انطلق من تراث وعقيدة وكانت أوضح خصائصه الجماعية ،والشمول ،إذا انتفت الفردية في حركته ،ووجهت ضرباته إلى كل نواحي الحياة الإسلامية.
استغل اليهود الأحداث العالمية – هنا وهناك – ولم يكونوا هم صانعيها ، ووقفوا دائما ً في الصفوف الخلفية – لا المتقدمة – يحصدون نتائجها ، وكان تحالفهم مع الأقوياء دائما ً من أسرار نجاحهم ، وهذا يعني أنهم ليسوا بهذه العبقرية الفذة ، أو الشجاعة النادرة كما يصورهم بعض من كتب عنهم .
كان للتحالف المذكور أثر على كافة الجوانب الإسلامية المعاصرة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، فتغيرت – بذلك – ملامح المجتمع الإسلامي ، وفقد معظم سماته وخصائصه.
هناك اتجاه خطير ، لا يزال كثير من المسلمين يجهل حقيقته وأهدافه ، هو ما يعرف بالصهيونية المسيحية ، أو الأصولية الإنجيلية تتزعمه اليوم الولايات المتحدة.
لا يمكن – أبداً – للدول الغربية وعلى رأسها أمريكا أن تصل إلى نتيجة صحيحة في قضية السلام بين العرب واليهود ، والتي تدعي أنها راعيتها – ما لم تتخل هذه الدول عن خلفياتها الدينية التوراتية ، وطبيعتها العدائية التي تجعلها دائماً مع الصالح اليهودي.
إن ضعف الأمة الإسلامية من داخلها ، هو السبب الأكبر الذي هيأ لمخططات هذا التحالف النجاح والفاعلية .
إن طريق العودة والنهوض هو الطريق النبوي ؛ من تربية الأفراد والشعوب الإسلامية على هذا الدين ،وإقامة المجتمع المسلم بكل مقوماته وخصائصه وصولاً إلى الحكومة المسلمة والخلافة الإسلامية ، ولا بد أن يتحرك لذلك الأفراد، والمختصون والمؤسسات المختلفة ، دون أن يتخلف في ذلك طرف.(9)
فهل نحن منتهون؟! ومن وقائع التاريخ معتبرون؟! وإلى الحق عائدون؟! أم أن على الأبصار غشاوتها؟! وعلى العقول أقفالها؟! وعلى القلوب أدرانها؟!.

المراجع:
(1)           سورة البروج – 8:3 –
(2)           اليهود وراء دعوة تقارب الأديان - الشيخ سفر الحوالي.
(3)         التعليم المسيحي للشبيبة الكاثوليكية، ص.84.
(4)         العلمانية: د/ سفر الحوالي (ص 532).
(5)         العلمانية: د/ سفر الحوالي (ص 534).
(6)         مجلة المجتمع ص 23 العدد 982
(7)         مجلة المجتمع ص 23 العدد 982
(8)         مجلة المجتمع ص 23 العدد 982
(9)   حقيقة العلاقة بين اليهود والنصارى وأثرها على العالم الإسلامي : أحمد محمد زايد : دار المعالي/ الأردن.

الجمعة، 5 يوليو 2019

ثانيا: اليهود والمسلمين في أوربا في العصور الوسطى:(ب) ووضع و مكانة اليهود في أوربا في العصور الوسطى:سادسا: اضطهاد المسيحيين لليهود:الفصل الخامس: المسيحية السياسية والمسيحية الدينية:


يظهر فى الصورة الأولى راية جيش المسلمين فى معركة العقاب عام 1212 م التى هزم فيها المسلمين
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الفصل الخامس: المسيحية السياسية والمسيحية الدينية:
سادسا: اضطهاد المسيحيين لليهود:
(ب) ووضع و مكانة اليهود في أوربا في العصور الوسطى:
ثانيا: اليهود والمسلمين في أوربا في العصور الوسطى:
عاش اليهود في كنف دولة الإسلام في الأندلس ، بكل خير ورفاهية ورغد عيش ، فلا أحد يفكر في أن يظلمهم أو يصادر حقوقهم ، وانتظم كثير منهم في سلك الوظائف العامة ، حتى ولي بعضهم مناصب خطيرة مثل الوزارة والحجابة ، وزاد ثراء هذه الطبقة ، وعاشوا على أفضل ما يكون في ظل عدالة الشريعة الإسلامية ، وسماحة المسلمين المعهودة مع الذين لم يقاتلوه في الدين.
ولما سقطت دولة الإسلام في الأندلس في 21 محرم سنة 897هـ، وجاء الحكم الصليبي الأسباني للبلاد، كان أول قرار تم اتخاذه هو إنشاء ديوان التحقيق أو التفتيش الأسباني ، وكان الهدف منه مطاردة الكفار بزعمهم وحماية المذهب الكاثوليكي من الشبهات والضلالات ، وكان اليهود هم أول ضحايا سياسة العنصرية والمحو التي رسمتها أسبانيا الصليبية ، وكان القرار الذي أصدره الملكان فريناندو وإيزابيلا في 22 جمادى الأولى 897هـ ـ 30 مارس 1492م ، والقاضي بأن يغادر سائر اليهود الذين لم يتنصروا من أي سن وظرف أسبانيا في غضون أربعة أشهر من تاريخ القرار ، ولا يعودوا إليها أبدًا ، ويعاقب المخالفون بالموت والمصادرة ، فتنصر كثير منهم حفاظًا على أرواحهم وأموالهم وهام الباقون على وجوههم في الأرض ، بين الحرمان والتجريد والتشريد.
والجدير بالذكر أن الدولة العثمانية قد وافقت على إيواء هؤلاء اليهود المطرودين في ولاياتها وذلك أيام السلطان سليمان القانوني ، وكان ردهم على هذا المعروف العظيم ، التآمر على إسقاط هذه الدولة وذلك عبر تنظيم يهود الدونمة الشهير، وهذا ما تؤكده شهادات المؤرخين وذلك على النحو التالي:
- ول ديورانت   في كتاب قصة الحضارة:
كان يهود أسبانيا يلقبون أنفسهم سفرديم Sephardim، ويرجعون بأصولهم إلى قبيلة يهوذا الملكية ؛ ولما اعتنق الملك ريكارد Recared الدين المسيحي الأصيل، انضمت حكومة القوط الغربيين إلى رجال الدين الأقوياء أتباع الكنيسة الأسبانية في مضايقة اليهود وتنغيص حياتهم عليهم، فحرمت عليهم المناصب العامة، ومنعوا بالزواج من المسيحيات أو اقتناء أرقاء مسيحيين.
وأمر الملك سيزبوت Sisebut جميع اليهود أن يعتنقوا المسيحية أو أن يخرجوا من البلاد (613)، وألغى الملك الذي خلفه على العرش هذا الأمر، ولكن مجلس طليطلة الذي عقد في عام 633 أصدر قراراً ينص على أن اليهود الذين عمدوا ثم عادوا إلى الدين اليهودي يجب أن يفصلوا عن أبنائهم، وأن يباعوا أرقاء.
وأعاد الملك شنتيلا Chtntla العمل بمرسوم سيزبوت (635)؛ وحرم الملك إجيكا Egica على اليهود امتلاك الأراضي كما حرم على عمل مالي وتجاري بين أي مسيحي ويهودي (693).
وكانت نتيجة هذا أن ساعد اليهود العرب حين جاءوا أسبانيا فاتحين في كل خطوة من خطوات الفتح.
وأراد الفاتحون أن يعمروا البلاد فدعوا إلى الهجرة إليها، وقدم إليها فيمن قدم خمسون ألف يهودي من آسية وأفريقية، وكاد سكان بعض المدن مثل أليسانة أن يكونوا كلهم من اليهود.
ولما أن تحرر اليهود في أسبانيا الإسلامية من القيود المفروضة على نشاطهم الاقتصادي انتشروا في جميع ميادين الزراعة، والصناعة، والمال، والمناصب العامة، ولبسوا ثياب العرب، وتكلموا بلغتهم، واتبعوا عاداتهم، فلبسوا العمامة والأثواب الحريرية الفضفاضة، وركبوا العربات حتى أصبح من العسير تمييزهم من بني عمومتهم الساميين. واُستخدم عدد من اليهود أطباء في بلاط الخلفاء والأمراء وعين أحد هؤلاء الأطباء مستشاراً لأعظم خليفة من خلفاء قرطبة.
كان حسداي بن شبروط طبيب بلاط الخليفة عبد الرحمن الناصر لدين الله ومبعوثه الخاص في الدول الأجنبية.
فقد كان حسداي بن شبروط (915-970) بالنسبة لعبد الرحمن الثالث مكانه نظام الملك في القرن التالي لملك شاه. وقد ولد حسداي في أسرة ابن عزرا المثرية المثقفة؛ وعلمه أبوه اللغات العبرية، والعربية، واللاتينية، ودرس الطب، وغيره من العلوم في قرطبة، وداوى الخليفة من أمراضه، وأظهر من واسع المعرفة وعظيم الحكمة في الأمور السياسية ما جعل الخليفة يعينه في الهيئة الدبلوماسية للدولة، ولم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره كما يلوح. ثم عهدت إليه تباعاً أعمال أخرى ذات تبعات متزايدة في حياة الدولة المالية والتجارية. على أنه لم يكن له لقب رسمي لأن الخليفة تردد في منحه رسمياً لقب وزير خشية أن يثير عليه النفوس. ولكن حسداي قام بمهام منصبه الكثيرة بكياسة أكسبته محبه العرب، واليهود، والمسيحيين على السواء، وقد شجع العلوم والآداب، ومنح الطلاب الهبات المالية والكتب بلا ثمن، وجمع حوله ندوة من الشعراء، والعلماء، والفلاسفة، فلما مات تنافس المسلمون واليهود في تكريم ذكراه.
وكان ثمة رجال غيره في أنحاء أخرى من أسبانيا الإسلامية وإن لم يبلغوا ما بلغه، ففي أشبيلية دعا المعتمد إلى بلاطه إسحق بن بروك العالم والفلكي، ومنحه لقب أمير، وجعله حاخاماً أكبر لكل المجامع اليهودية فيها.
وفي غرناطة نافس شمويل هلوي ابن نجدلا Samuel Nalevi idn Naghdela حسداي ابن شبروط في سلطانه وحكمته وفاقه في عمله، وقد ولد شمويل في قرطبة عام 993 ونشأ فيها، وجمع بين دراسة التلمود والأدب العربي، وجمع بين هذين وبين الاتجار في التوابل، ولما أن سقطت قرطبة في أيدي البربر، انتقل إلى مالقة، وفيها زاد دخله القليل بكتابة العروض إلى ملك غرناطة.
وأعجب وزير الملك بما كانت عليه هذه العروض من جمال الخط وحُسن الأسلوب فزار شمويل، وصحبه إلى غرناطة، وأسكنه في قصر الحمراء، وجعله أمين سره. وما لبث شمويل أن أصبح أيضاً مستشاره، وكان مما قاله الوزير نفسه أنه إذا أشار شمويل بشيء فإن صوت الله يسمع فيما يشير به.
وأوصى الوزير وهو على فراش الموت أن يخلفه شمويل، وبذلك أصبح شمويل في عام 1027 اليهودي الوحيد الذي شغل منصب وزير في دولة إسلامية وحظي بهذا اللقب. ومما يسر هذا الأمر في غرناطة أكثر منه في أي بلد آخر أن نصف سكان هذه المدينة في القرن الحادي عشر كانوا يهوداً.
وسرعان ما رحب العرب بهذا الاختيار، لأن الدولة الصغيرة ازدهرت في عهد شمويل من النواحي المالية، والسياسية، والثقافية.
وكان هو نفسه عالماً، وشاعراً، ونابغة في الفلك، والرياضة، واللغات، يعرف سبعاً منها، وقد ألف عشرين رسالة في النحو (معظمها بالعبرية) وعدة مجلدات في الشعر والفلسفة، ومقدمة للتلمود، ومجموعة من الأدب العبري.
وكان يقتسم ماله مع غيره من الشعراء، وأنجد الشاعر والفيلسوف ابن جبيرول، وأمد بالمال طائفة من شباب الطلاّب، وأعان الجماعات اليهودية في قارات ثلاث وكان وهو وزير الملك حاخاماً لليهود يحاضر عن التلمود،ولقبه بنو ملته- اعترافاً منهم بفضله-بالنجيد- الأمير في إسرائيل، ولما توفي عام 1055 خلفه في الوزارة، والنجادة ابنه يوسف بن نجدلا.
وكانت هذه القرون الثلاثة - العاشر، والحادي عشر، والثاني عشر - هي العصر الذهبي ليهود أسبانيا، وأسعد عصور التاريخ العبري الوسيط، وأعظمها ثمرة.
ولما أن افتدى موسى بن شنوك (المتوفي عام 975 وأحد المهاجرين من باري) من الأسر في قرطبة، أنشأ فيها بمجموعة حسداي مجمعاً علمياً، ما لبث أن أصبحت له الزعامة الفعلية على يهود العالم كله.
وافتتحت مجامع مثله في أليسانة، وطليطلة، وبرشلونة، وغرناطة...، وبينما كانت المدارس اليهودية في الشرق تقصر نشاطها على التعليم الديني، كانت هذه المدارس الأسبانية تعلم فيما تعلمه الأدب. والموسيقى، والرياضيات، والهيئة، والطب، والفلسفة.
وبفضل هذا التعليم نالت الطبقات العليا من يهود أسبانيا في ذلك الوقت سعة وعمقاً في الثقافة والظرف لم ينلهما إلا معاصروهم من المسلمين، والبيزنطيين، والصينيين، ونشأت في ذلك الوقت أرستقراطية يهودية تزدان بما فيها من النساء الحسان.
ويمكننا أن نؤرخ بداية تدهور يهود أسبانيا من سقوط يوسف بن نجدلا. ذلك أنه كان يخدم الملك بكفاية لا تكاد تقل عن كفاية أبيه، ولكنه لم يكن له كما كان لأبيه من تواضع وكياسة جعلتا سكان البلاد - ونصفهم من المسلمين الأندلسيين - يرتضون أن يتولى أمورهم يهودي.
من ذلك أنه جمع السلطة كلها في يده، وتشبه بالملك في لباسه، وسخر من القرآن، وتحدث الناس بأنه لا يؤمن بالله، ولهذا ثار العرب والبربر في عام 1066 وصلبوا يوسف، وذبحوا أربعة آلاف من يهود غرناطة، ونهبوا بيوتهم، وأرغم الباقون من اليهود على بيع أراضيهم ومغادرة البلاد. وجاء المرابطون من أفريقية بعد عشرين عاماً من ذلك الوقت متأججة صدورهم بالحماسة الدينية ومتمسكين بأصول السنة، وانتهى بقدومهم عصر أسبانيا الإسلامية الزاهر الطويل الأمد.
ونادى أحد رجال الدين من المسلمين أن اليهود قد وعدوا النبي بأن يعتنقوا الإسلام بعد خمسمائة عام من الهجرة، إذا لم يظهر في ذلك الوقت مسيحهم المنقذ المنتظر، وأن هذه الأعوام الخمسمائة تنتهي بالحساب الهجري في عام 1107، وطلب الأمير يوسف إلى جميع يهود أسبانيا أن يعتنقوا الإسلام، ولكنه أعفاهم من هذا الأمر حين أدوا لبيت المال مبالغ طائلة.
ولما خلف الموحدون المرابطين في حكم مراكش وبلاد لندلس الإسلامية (1148)، خيروا اليهود والمسيحيين كما خير الملك سيزبوت اليهود قبل خمسمائة وخمسة وثلاثين عاماً من ذلك الوقت بين الارتداد عن دينهم أو الخروج من البلاد،وتظاهر الكثيرون من اليهود باعتناق الإسلام، وهاجر كثيرون منهم مع المسيحيين إلى شمالي أسبانيا.(1)
ميدان بلازا مايور بمدريد رسمت فيه أحداث أحكام ديوان التحقيق التي نفذت في المسلمين الأندلسيين
- S.D.Goitein في كتاب اليهود والعرب:
اليهود الذين عاشوا في كنف الإسلام في نفس العصور، بعد أن رأينا هوانهم وذلهم في أوروبا المسيحية . نتيجة للفتوحات الإسلامية والتي استمرت حوالي قرن من الزمان بعد تأسيس الجماعة الإسلامية الأولى في المدينة على يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن معظم الجماعات اليهودية والمسيحية القاطنة في غرب آسيا وشمال أفريقيا وأسبانيا دخلت تحت الحكم الإسلامي، وكان هذا تحسناً عظيماً في أحوال تلك الجماعات وخاصة اليهود، إذ أنهم لم يعودوا مجرد جماعة منبوذة تضطهدها الكنيسة الحاكمة ،وإنما صاروا جزءاً من رعية واسعة لها وضع خاص ، إذ أن الشريعة الإسلامية في معاملتها لأهل الكتاب لا تفرق بين اليهود وبين النصارى. وعموما فأن أحكام ذلك الوضع الخاص كانت إلى درجة كبيرة أرحم من العسف البيزنطي .
ولهذا فلم يكن مستغرباً أن اليهود في كل مكان ،وخاصة في فلسطين وسوريا وأسبانيا،ساعدوا فعلاً الفاتحين المسلمين واعتبروهم حلفاءً لهم . وابتدءاً من تلك اللحظة أصبح من المقرر تاريخياً أن ' وضع غير المسلمين تحت الحكم العربي الإسلامي كان أفضل كثيراً من وضع اليهود في أوروبا المسيحية خلال العصور الوسطي '(2)
الإحراق حيا كان أحد عقوبات محاكم التفتيش لمن يتهم بالطبخ بالزيت عوض استعمال شحم الخنزير !!
- المؤرخ البريطاني بول جونسون في كتابه المشهور تاريخ لليهود:
عندما غزا المسلمون أسبانيا عام 711 ساعدهم اليهود في ذلك،غالباً بتشكيل حاميات عسكرية في المدن المفتوحة لتحمي الجيوش العربية المتقدمة، حدث هذا في قرطبة وغرناطة وطليطلة واشبيلية، وفيما بعد أشار بعض الجغرافيين العرب إلى غرناطة بأنها مدينة يهودية.
أصبحت قرطبة عاصمة الخلافة الأموية ومقر الخلفاء الأمويين الذين عاملوا اليهود بتسامح وعطف عظيمين.
وهكذا فإن اليهود في قرطبة كما في بغداد وفي القيروان لم يكونوا فقط صنعةً وتجاراً وإنما أيضا أطباءً.
وأثناء حكم الخليفة الأموي عبد الرحمن الثالث ( 912-61 ) فإن طبيبه الخاص اليهودي حسدايا بن شابروت أحضر إلى المدينة علماء دين وفلاسفة وشعراء وعلماء يهود وجعل منها مركز الثقافة اليهودية في العالم .. وهكذا تمتع يهود أسبانيا المسلمة بعيش راغد ووجود منتج لم يعرفه اليهود في أي مكان ألا في القرن التاسع عشر.(3)
وهكذا ورغم الجحود والإنكار المتعصب، فإن صفحة الإسلام المشرقة في العصور الوسطي ستظل ساطعةً وحيةً ، وسيظل المؤرخون اليهود وغير اليهود يعترفون (بعضهم بمرارة وعلى مضض) بتسامح الإسلام وعظمة أهله ، وسيظل ظهور أبن ميمون كأعظم مفكر يهودي في العصور الوسطي ، أقول سيظل ظهوره في أرض الإسلام دون سواها، دليلاً ساطعاً حياً على عظمة هذا الدين واتساعه لجميع بني الإنسان ؛هذا الاتساع النابع من الحق الذي هو وحده يهب القوة والثقة بالذات المعينة على قبول الأخر.
ليون بولياكوف
ليون بولياكوف في كتابه حصاد الكراهية:
تعايش مسلمو الأندلس مع الديانات الأخرى، بما في ذلك الديانة اليهودية، وأنشأوا مجتمعًا غير تقليدي.
برنارد لويس:
نادراً ما واجه اليهود في ظل الحكم الإسلامي الشهادة أو النفي، أو الإجبار على ترك ديارهم، وكانوا يتمتعون بحرية كاملة في اختيار مكان إقامتهم ومهنتهم.
مارك كوهين أستاذ في جامعة برنستن الأمريكية:
إن الشعب اليهودي عاش في ظل الحكم الإسلامي التسامح والتكامل.(4)
وقال: لقد صَوَّرَ المؤرخون اليهود في القرن التاسع عشر التجربة اليهودية في القرون الوسطى في ظل الإسلام باستخدام مصطلحات رومانطيقية شبه أسطورية على العكس تماماً من تاريخ الاضطهاد والقمع الذي عاشه اليهود الذين قطنوا في العالم المسيحي في القرون الوسطى.
وقد قيل عن يهود الأراضي العربية وخاصة أولئك الذين عاشوا في أسبانيا المسلمة انهم عاشوا في عصر ذهبي أو ربما طوباوي.
عدل الإسلام الذي ساد الأندلس عم الجميع وهذا موسى بن ميمون القرطبي أحد أشهر علماء اليهود.
عبد الفتاح عاشور، الأستاذ في تاريخ العصور الوسطى في جامعة القاهرة: إن الشعب اليهودي وجد العزاء تحت الحكم الإسلامي خلال العصور الوسطى، و ذلك بعد ما لاقوه على يد المسيحيين في أسبانيا.
ميدان بلازا مايور بمدريد كانت تقام حفلات إحراق الأندلسيين بحضور ملوك إسبانيا وكبار القساوسة.
الأستاذ لويجى باسكالى، الخبير الاقتصادى فى جامعة وارويك ببريطانيا وجامعة وبومبيو فابرا فى برشلونة باسبانيا:
تناول في دراسة أجراها العلاقات الإقتصادية والمالية بين اليهود والأوروبيين فى القرن الرابع عشر وأثر الكراهية الأوروبية لليهود على الجوانب الإقتصادية والمالية فى القارة الأوروبية وحملات طرد اليهود من جنوب إيطاليا فى عام ١٥٠٣م.
وأوضح باسكالى أن طرد اليهود من أوروبا إرتبط بتحريم الكنيسة فى تلك الحقبة للمعاملات المالية التى كان يقوم بها اليهود وفى مقدمتها "الربا" وحصولهم على فائدة مرتفعة دون عمل على القروض التى كانوا يقدمونها للأوروبيين. كما إرتبط طردهم من نابولى فى جنوب إيطاليا بحكم الإسبان لتلك المنطقة فى ذلك الوقت. فقد أصدر الاسبان قرار بطرد كل يهودى فى تلك المنطقة مالم يقم بتغيير ديانته اليهودية إلى الكاثوليكية.
وتضمنت الدراسة عرض خريطة لحركة طرد اليهود من أوروبا على مدى خمسة قرون خلال الفترة من عام ١١٠٠ م وحتى عام ١٦٠٠ميلادية.
فقد تم طرد اليهود من مناطق شاسعة فى أوروبا وخاصة من اسبانيا بداية من إنتهاء حكم العرب المسلمين عام ١٤٩٢م حيث تم تخييرهم بين التحول الى الكاثوليكية أو الحرق فكان الهروب هو الخيار المتاح أمام اليهود.
وكانت "صناعة العداء بين العرب المسلمين واليهود" قد تعرضت للدراسة والتفنيد على أسس علمية على مدى عقود ودائما ما كانت النتيجة تشير إلى "فساد تلك الصناعة" حيث أكد التاريخ أن العرب المسلمين هم من وفروا الحماية لليهود والديانة اليهودية طوال القرون التى شهدت حملات الطرد من أوروبا.
في احتفالات اليوم بسقوط غرناطة رجل يحمل المفاتيح يمثل أبا عبدالله الصغير .
صحيفة "دايلى ميل" البريطانية:
عرضت نتائج أحد الأبحاث العلمية التى تناولت العلاقات بين أوروبا واليهود فى العصور الوسطى، وخلص الباحث فيها إلى أن اليهود نجوا من بطش الأوروبيين بفضل الدول العربية الإسلامية التى فتحت أبوابها لهم وأنقذتهم وأنقذت الديانة اليهودية من الإندثار على يد أوروبا المتشددة والمتعصبة دينيا فى تلك الفترة.
الذي سلم مفاتيح غرناطة هو الوزير الخائن ابن كماشة وقد كان حريصا على عدم المقاومة
البروفيسور ديفيد واسرشتاين، المتخصص فى الدراسات اليهودية بجامعة فاندربيلت بولاية تينيسى الأمريكية:
كتب مقالا فى ذات الموضوع بعنوان :"ماذا قدم المسلمون لليهود؟"
وكتب واسرشتاين فى مقاله أنه :"فى غضون قرن من وفاة محمد صلى الله عليه وسلم فى عام ٦٣٢ ميلادية حققت جيوش المسلمين الانتصارات فى العالم كله تقريبا حيث عاش اليهود، من اسبانيا شرقا عبر شمال أفريقيا والشرق الأوسط وصولا إلى الحدود الشرقية لإيران ومابعدها. وكان الإسلام يحكم تقريبا كل اليهود فى العالم. وأدى هذا الوضع الجديد إلى تحويل الوجود اليهودى. لقد تغيرت ثرواتهم، من الناحية القانونية والديموغرافية والاجتماعية والدينية والسياسية والجغرافية والاقتصادية واللغوية والثقافية، جميعا نحو الأفضل".
لقد تحسنت الأمور سياسيا. فقد زالت كافة مظاهر التهديد لليهود واليهودية ـ مثل بابل ـ وأصبح هناك مجال واحد يتسع للجميع المسلمين والمسيحيين واليهود.
لقد حصل اليهود على إعتراف بهم كطبقة من الدرجة الثانية فى المجتمع الإسلامى وهو أمر جيد فى ذلك الزمان الذى كانت تتعرض فيه اليهودية للمطاردة والطمس فى أنحاء كثيرة من أوروبا.
فعلى سبيل المثال كان القوط فى اسبانيا قبل الفتح الإسلامى ينتزعون الأطفال من أحضان أمهاتهم عنوة ليتم تحويل ديانتهم بالقوة قبل إستعبادهم فيما بعد!!
بينما كان اليهود فى ظل حكم العرب المسلمين لهم حقوق قانونية وحماية معترف بها ولم تكن هناك إختلافات كبيرة بين الأقلية اليهودية والغالبية المسلمة الحاكمة. وحتى المسلمين لم يكونوا يمثلون الأغلبية باسبانيا خلال القرون الأولى من وجودهم هناك. ورصد كاتب الدراسة كيف عاش اليهود فى بيئة إحتوت قدرا كبيرا من الحرية الإقتصادية والدينية وكان لهم قدر من التمثيل الرسمى فى المجتمع وأمام السلطة الحاكمة.
وفى ظل الحضارة الإسلامية كانت حرية الإنتقال والحركة والتعاملات بكافة مستوياتها مكفولة لليهود لدرجة أن التجار اليهود فى اسبانيا غربا كانت لهم معاملات مع الهند شرقا.
وعلى المستوى الثقافى ومن فرط البيئة الملائمة التى عاش فيها اليهود وسط العرب المسلمين أقبل اليهود على تبنى اللغة العربية وإستخدامها على نطاق واسع. وبحلول القرن العاشر الميلادى بدأت ترجمة التوراة إلى اللغة العربية وبحلول عام ٩٠٠ ميلادية كانت العربية هى اللغة الأولى لليهود فى العالم الإسلامى وإن حافظوا على لغتهم العبرية التى كتبوا من خلالها أفضل الأعمال الشعرية والأدبية فى ثقافتهم.
وأكد كاتب الدراسة أن اليهود عاشوا عصرهم الذهبى الحقيقى فى ظل الحكم العربى الاسلامى لاسبانيا، كما أكد تلازم موجات صعود وهبوط إزدهار الثقافة اليهودية مع موجات صعود وهبوط الثقافة العربية فى كل من بغداد والقيروان والقاهرة.
وهكذا أدت الأطماع السياسية والإقتصادية التى تهيمن على البيئة السياسية الغربية بوجه عام إلى نمو "صناعة الكراهية" بين العرب المسلمين من جانب واليهود من جانب آخر. ومع الوقت تحول إذكاء الصراع بين الطرفين إلى تجارة مربحة تدر المليارات وترتبط بها مصالح صناع القرار فى الولايات المتحدة والعديد من دول أوروبا. وقد آن الآوان لبذل جهود حقيقية للقضاء على تلك الصناعة الفاسدة والمدمرة للحضارات.
وهكذا فقد تجمع المسلمون واليهود في مجتمع واحد في شبه الجزيرة الأيبرية (الأندلس) وشمال أفريقية في الجزء الغربي من البلاد الإسلامية في مجتمع غالباً ما وصفه المؤرخون المتأخرون بـ"الذهبي". حيث تشارك جميع السكان في مجالات الشعر والموسيقى والفنون والهندسة المعمارية والثيولوجيا (علم الكلام) وتفسير النصوص المقدسة والفقه والفلسفة والطب والصيدلة والتصوف في بلاط الحكام ودويلات المدن في الوقت عينه الذي انشغلت الجيوش الإسلامية في الصراع الخاسر مع جيوش المسيحيين فيما عرف بإعادة الفتح Reconquist
وعندما طُرد المسلمون واليهود من أسبانية عام 1492م اختارت غالبية اليهود أن تعيش في البلدان الإسلامية، وفي مناطق الإمبراطورية العثمانية بشكل خاص، كان اليهود الإيبريون كثيرين جداً ومتعلمين وأحوالهم المادية مزدهرة إلى درجة أن ثقافة اليهود غالباً ما حلت مكان ثقافة الجماعات اليهودية الأقدم، ولذلك أصبحت ثقافة اليهود السفارديم (اليهود الشرقيين من أصل إسباني) هي الصبغة العامة لليهود الذين يعيشون في البلدان الإسلامية.
وقد أضافت مهارات هؤلاء المهاجرين إلى الإمبراطورية العثمانية التجارية والصناعية ورأس مالهم الكثير من الثروة الذي أدى إلى التوسع العثماني، إلا أن اليهود كعادتهم في الغدر والخيانة ردوا الجميل للدولة العثمانية فتحالفوا مع جيوش الحلفاء ضدها، وقدموا أجساد بناتهم وعلى رأسهم سارة أرونسون ، وسخروا عقول شبابهم ليكونوا  جواسيس لصالح الحلفاء ضد الدولة العثمانية والتي كان دور ونشاط اليهود وعلى يهود الدونمة.
سارة أرونسون
المراجع:
(1)    (قصة الحضارة : عصر الإيمان: الحضارة اليهودية: يهود العصور الوسطى:المجتمعات الشرقية صفحة رقم : 4858: قصة الحضارة - ول ديورانت - م 4 ك 3 ب 16
(2)           أنظر كتاب S.D.Goitein اليهود والعرب – اتصالهم عبر العصور ، ص 84.
(3)           تاريخ لليهود: ص ، 177 – 178.
(4)    كتاب "بين الهلال والصليب .. وضع اليهود في القرون الوسطى" للمؤلف مارك كوهين، وترجمة الأردني إسلام ديه والتونسي معز خلفاوي، وقدم له المفكر المعروف صادق جلال العظم.